كنز الأسماء الحسنى

مهارات الذكاء العاطفي

كانت دراسة مهارات الذكاء العاطفي هي أكبر صحوة بالنسبة للباحثة في تصميم برنامج سلام. فهي تعلمت من العلوم الإنسانية أهمية مهارات الذكاء العاطفي لنجاح المرء في حياته ولسعادته ورضاه عن حياته. فمهارات الذكاء العاطفي (كمهارات التواصل والتأثير والثقة بالنفس ومهارات الفريق وغيرها)، هي ما تحدد قدرة المرء على النجاح وتتنبأ بإمكانية تفوقه في عمله ودراسته وعلاقاته وإدارة حياته. فمن يمتلكون الذكاء العاطفي، يتفوقون بنسبة 71% في نتائج العمل على أقرانهم ممن يمتلكون الذكاء المعرفي والخبرة العملية. ويتفوقون بنسبة 85% في تكوين الثروات وإداراتها على أقرانهم ممن يمتلكون الذكاء المعرفي.

وعلى أهمية تلك المهارات، لم تجد الباحثة اهتمامًا مجتمعيًا أو أسريًا بتعليمها للصغار. فالأب والأم غالبًا لا يمتلكان تلك المهارات وبالتالي لا يستطيعان تعليمها لأبنائهما. والفكرة التقليدية عن تربية الأبناء لدى معظم الأسر، تدور حول توفير المسكن والملبس والمأكل وتسجيل الأبناء بالأنشطة وإلحاقهم بأفضل مدارس ممكنة. ليس بديهيًا لدى الأسر أهمية تعليم الأبناء مهارات الذكاء العاطفي. علاوة على انشغال كلٍ منهما في كسب العيش وإدارة الحياة والاستجابة للضغوط. فالأسرة قد ألقت "بعبء" تربية الأبناء على المدرسة.

والمدرسة لا تعلّم الطلاب مهارات الحياة. بل تحشو رؤسهم بالمعارف والعلوم والتي قد لا تفيدهم إطلاقًا في حياتهم اليومية. ولقد ذكر مارتن ساليجمان في كتابه "فلوريش" بمعنى "ازدهِر" أو "إنتعِش"، دراسة مفادها أن الباحثين سألوا الآباء والأمهات عما يتمنونه لأبنائهم في الحياة. فذكروا أشياء مثل القيادة والسعادة والنجاح والتأثير. وعندما قارنوا تلك القائمة بما تقدمه المدارس بالفعل، لم يجدوا تشابهًا كبيرًا. وذلك لأن النظام التعليمي بشكله الحالي قد تم تصميمه أثناء الثورة الصناعية ويهدف لإعداد الأفراد لسوق العمل ولا يهدف لتعليمهم كيف يعيشوا حياة سعيدة ومتوازنة. فمن أين يتعلم الأفراد مهارات الذكاء العاطفي؟ هل يتعلموها في المؤسسات الدينية؟

يعتمد التعليم الديني بشكل كبير على طرق الترهيب أو الترغيب. يُقدم الدين للمريدين على أنه تذكرة الدخول للجنة أو النجاة من النار فقط. ولذا يعزف الكثير من الشباب عنه لأنهم لا يرون كيف يمكن أن يعاونهم الدين على تحديات الحياة وتحقيق الأهداف والسعادة. زاد من تلك الفجوة عدم اكتساب هؤلاء الشباب لقاعدة دينية قوية يستندون عليها. ولذا اعتبر الكثيرون الدين طقوسًا خاصة فقط لإرضاء الله عزّ وجلّ وانصرفوا لبرامج التنمية البشرية والعلوم الإنسانية ليتعلموا منها المهارات الحياتية التي يحتاجونها لإدارة حياتهم.

والعلوم الإنسانية حقًا تدرّس مهارات الذكاء العاطفي. ولكنها ليست لها مرجعية ثابتة. فهناك نماذج عدة لمهارات الذكاء العاطفي ومواطن القوى. منها نموذج "كليفتون للبحث عن مواطن القوى" Clifton StrengthsFinder وهو نموذج يحتوي على 34 مهارة أو موطن قوى. يقول النموذج أننا جميعنا تتوافر فينا تلك المهارات بأولويات مختلفة ونسب مختلفة تتدرج من القوة للضعف. وهناك نموذج دانيال جولمان الذي يحتوي على 25 مهارة مُقسّمة بين المهارات الشخصية والمهارات الاجتماعية. وهناك نموذج علم النفس الإيجابي الذي أقره مارتن ساليجمان ويحتوي على 24 مهارة مقسّمة إلى ست مجموعات هي:

        الحكمة والمعرفة: ومن مهاراتها، الفضول وحب العلم والتفكير الناقد

        الشجاعة: ومن مهاراتها الجرأة والإصرار

        الإنسانية والحب: ومن مهارتها، الكرم والرفق

        العدل: ومن مهاراته، الولاء والقيادة والإنصاف

        الاعتدال: ومن مهاراته، ضبط النفس والحذر والتواضع

        وأخيرًا الرقي أو التسامي: ومن مهاراته، تقدير الجمال والتميز والعرفان والتديّن أو الروحانيات

 

وعلى رواج تلك النماذج وأهميتها، تبقى عدّة أسئلة هامة:

        من قال أن المهارات التي يحتاجها الإنسان 34، أو 25، أو 24؟

        ما هو مصدر تلك المهارات وأين نذهب للاستزادة منها؟

        كيف يمكن أن نرى أمثلة عليها؟

وهكذا قاد التفكير الباحثة للتأمل في سؤال واحد: هل يمكن أن يخلقنا الله سبحانه وتعالى ويوكل لنا مهمة الخلافة في الأرض بدون أن يمدنا بالمهارات التي نحتاجها للقيام بهذا الدور؟ حاشا لله. كان عليها إذن أن تكتشف ما هو مصدر مهارات الذكاء العاطفي في ديننا الحنيف.

الأسماء الحسنى مصدر المهارات:

لقد خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض، وأمدّنا بكل ما نحتاجه لنستكمل الحياة على الأرض، ونحفظها طبقًا لقواعده وأوامره، وقد خلقنا الله بصورة مادية وصورة روحانية، وللصورة المادية زوّدنا بما يحفظ لنا تلك الصورة من ماء وغذاء، ومواد وطبيعة، ونبات وحيوان ومعادن وغيرها، كما زودنا بقانون مفصّل يحكم علاقاتنا من الناحية المالية والقضائية، والاجتماعية، والأخلاقية؛ وذلك كله للعناية بطبيعتنا الروحانية، ومن العناصر الهامة جدًا لوجودنا الروحاني والأخلاقي عنصر القدرات والمهارات، فهل يُعقل أن يتركنا خالقنا بدون منهج كامل ليدلنا على قدراتنا ومهاراتنا، والصفات الأخلاقية التي تحكم وجودنا؟! حاشا لله! كما أنزل الله عزّ وجلّ الحديد إلى الأرض مع مجموعة المعادن المتنوعة، وأنزل الماء وجعل لنا عناصر الحياة المادية، أنزل سبحانه الرحمة والصفات الأخلاقية التي نحتاجها كذلك.

عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جعلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِئة جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ.

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. الروم 21

يصف كل من الآية الكريمة والحديث بدقة عالية أن الرحمة أُنزلت لنا، وجُعلت لنا كغيرها من أرزاق الله سبحانه وتعالى التي أغدقها علينا، فالله سبحانه وتعالى هو مصدر كل تلك الصفات التي تحمي حياتنا على الأرض، فكما لا يمكن للعلماء صناعة نبات دون أن يستخدموا أجزاء من نبات آخر قد خلقه الله بالفعل، كذلك لا يمكن للإنسان اكتساب أي صفة دون استخدام الصفات التي وضعها الله تعالى لنا في الأرض أولاً.

لقد خلقنا الله سبحانه وتعالى على الصورة المادية الطينية والصورة الروحانية، وأمدّنا سبحانه بكل ما نحتاج إليه للحفاظ على كلتا الصورتين، ومن السهل معرفة ما أمدنا به الله عزّ وجلّ من صور الحياة المادية، ولكن أين نذهب لنعرف صفاتنا الأخلاقية؟ هذا هو ما سنتناوله الآن، فقد وجدت الباحثة في الأسماء الحسنى كنزًا من المعرفة!

الكنز المدفون

غالبًا ما نعرف الأسماء الحسنى بتتابعها وتسلسلها المعهود كما هو مبيّن في الصورة أدناه، وكثيرٌ من المسلمين يعلّقون الأسماء الحسنى على جدران بيوتهم في إطاراتٍ فخمة، وينظرون إليها من حينٍ لآخر برهبة وإجلال، وأحيانًا تكون تلك كل علاقتنا بها! وقد غنّى أحد المطربين الأسماء الحسنى، وأصبحت منذ ذلك الحين تُغنّى في بداية الأعراس لمباركة مراسم العُرس، وبين الجدران والغناء لا يدري معظم المسلمين كيف يستفيدون من الأسماء الحسنى لأي غرضٍ آخر.

 

وكانت الأسماء الحسنى بالنسبة للباحثة كحجر رشيد بمصر، ذاك الذي فك طلاسمه الفرنسي شامبليون، مما أعاد اللغة الهيلوغريفية من عداد الطلاسم، وحوّلها إلى لغة متداولة و متدارسة، وقد كانت تشعر أن خلف الأسماء الحسنى رسالة لنا يجب علينا أن نكتشفها، فعكفت على دراستها مهتديةً بالملاحظات الآتية:

        تزيّل الأسماء والصفات معظم آيات القرآن الكريم وتزيّنها، مما ينبئ عن دور هام لتلك الصفات لم تكن الباحثة تدري ما هو ولم يتناوله أحدٌ على حد علمها.

        هناك الكثير من الأسماء الحسنى لها معانٍ قد تبدو "سلبية"، وقد كانت تتساءل دومًا كيف أنه من الأسماء الحسنى: "المميت" و"المُذل" والخافض" و"المؤخر"، وكيف يتصف ربنا بتلك الأسماء! وكان يقينها أن هناك تفسيرًا منطقيًا لا تعرفه وينبغي عليها البحث عنه.

        كان لمراقبة ترجمات الأسماء الحسنى أثر عميق على فهمها. فقد عملت الباحثة بالترجمة في عملها التطوعي. ويستطيع كل من عمل بالترجمة أن يخبرك أن المترجم يبذل جهدًا للبحث عن مرادفات للكلمة التي يترجمها، ففتحت الترجمة عيناها على جمال الأسماء الحسنى حينما رأت ترجمة اسم الله "المصوّر" على سبيل المثال، وكانت مترادفات الاسم تعني "المصمّم" وغيرها من الكلمات التي تصف الإبداع والجمال مثل the Shaper, the Designer and the Fashioner، فكان للترجمة الإنجليزية فضل في لفت انتباهها لمعاني الأسماء.

 

وعليه وضعت الباحثة الأسماء الحسنى بتسلسلها المعهود نصب عينيها محاولةً فك رموزها، ومحاولة فهم القصة التي تحكيها، وأخذت تكتب ملاحظاتها على لوحة بيضاء لتحاول فك تلك الشفرة لتلك الرسالة التي أهدانا الله سبحانه وتعالى إياها، وكانت النتائج مذهلة بالنسبة لها!

فتح صندوق الكنز

ربما كانت الأسماء الحسنى من ضمن الأسماء التي علّمها الله عزّ وجلّ لآدم عليه السلام، وعندما نظرت الباحثة للأسماء الحسنى وحدّقت فيها فترة كافية وجدت أنه بإمكانها تقسيمها إلى اثنتي عشرة مجموعة تندرج تحت كل منها مجموعة من الأسماء، وتؤدي كل مجموعة وظيفة معينة، وكل مجموعة من الأسماء لها دلالتان: الأولى هي الدلالة على الصفة الإلاهية التي يتمتع الله سبحانه وتعالى وحده بها، والثانية هي الصفة الآدمية التي يمارسها الإنسان بناءً على الصفة الإلاهية.

 

 

الصفة الإلهية

الأسماء

الصفة الآدمية

1

السلطان

DOMINION

الملك، المهيمن، مالك الملك، القدوس، الواحد، الأحد، الصمد، ذو الجلال و الإكرام

العبودية والخضوع لله

2

الحضور والإحاطة

PRESENCE

الواسع، الحيّ، القيوم، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الباقي، الوارث

اليقين والاتساق ووضع الأمور في نصابها

3

الرزق

PROVISION

الوهاب، الرزاق، الفتاح، المقيت، الغني، المُغني

الاطمئنان والشكر والعطاء

4

الكبرياء والعلو

PRIDE & SUPREMACY

العزيز، المتكبر، العلي، الكبير، الجليل، العظيم، المجيد، الماجد، المتعالي

الكرامة والتواضع

5

الرفق

COMPASSION

الرحمن، الرحيم، الحليم، اللطيف، الشكور، الكريم، الودود، البر، الرؤوف، الحميد

الرفق

6

الحكم السليم

SOUND JUDGEMENT

الحكيم، الرشيد، الحكم، العدل، الحق، المقسط

إعمال العقل والموضوعية

7

التحكّم الإيجابي

POSITIVE CONTROL

النور، الصبور، الهادي، المحيي، الباسط، الرافع، المعز، المقدم، الجامع، النافع، البر

تعمير الأرض وعمل الصالحات

8

الخلق والإبداع

CREATION

الخالق، البارئ، المصور، المبدئ، المعيد، البديع، الواجد

المبادرة والإبداع

9

الدعم

SUPPORT

السلام، المؤمن، الجبار، الحفيظ، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الوالي، المجيب

الثبات والتواصي بالصبر

10

تجديد الذات

RENEWAL

الغفار، الغفور، الباعث، التواب، العفو

الأمل والبدايات الجديدة وتصحيح المسار

11

التحكّم التصحيحي

CORRECTIVE CONTROL

القهار، القابض، الخافض، المذل، المميت، القادر، المقتدر، المؤخر، المانع، الضار، المنتقم، الجبار، البر

إصلاح الذات والمجتمع

12

المُحاسبة والمُساءلة

ACCOUNTABILITY

الحسيب، الرقيب، الشهيد، المحصي، العليم، السميع، البصير، الخبير

مراقبة النفس والتقوى والتواصي بالحق

 

وتحكي مجموعات الأسماء الحسنى قصة جميلة، وتدلنا على ما أتاحه الله سبحانه وتعالى للجنس البشري من قدرات ومواطن قوى لازمة لحياته، ولحفظ توازنه، ولو غاب أحدها لفسدت الأرض واختل الميزان.

        صفات السلطان تشعرنا بهيبة خالقنا وعظمته فنخضع له ونؤمن به. هذه المجموعة هي اللبنة الأولى لبناء الهوية الإسلامية. فهي تُرسي قواعد علاقتنا بالله عزّ وجلّ ونتخذه مصدرًا للإنتماء والهوية وهما من المتطلبات الإنسانية الهامة كما جاء في هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية.

        صفات الحضور والإحاطة تزوّدنا باليقين والاطمئنان والاتساق، فالله سبحانه وتعالى مطّلعٌ على حياتنا، ويرى كل ما يحدث لنا وما يصدر منا، إنه إحساس يشبه النوم في الخلاء مطمئنًا؛ لأن هناك من يسهر لحراستك فتنام ملء أجفانك، فصفاته: الأول، والآخر، والباقي والوارث تطمئننا أنه كان سبحانه هناك قبل وجودنا، وسيكون هناك بعد زوالنا، وحين بعثنا، وأن لا شيء سيمر دون أن يسويه الله سبحانه ويحقق ميزان العدل، كما أن صفة "الواسع" بحضور المكان تساعدنا أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، فالكون متسع ونحن بحجمنا لا شيء مقارنة بأحجام الأجرام السماوية، وحجم مشكلاتنا لا شيء كذلك، ولأن الزمن لا نهائي بدايةً ونهايةً فنحن نعرف أن ما نمر به قد مر به الآخرون من قبل، وسيمر به الآتون، لذا فلنضع كل شيء في نصابه، ولا نحزن على ما فاتنا ولا نفرح بما آتانا. فكل شيء إلى زوال.

        وتساعدنا صفات "الظاهر" و"الباطن" على الاتساق، وجعل حياتنا الخاصة متسقة مع حياتنا العامة، كما أن تلك الصفات تعلّمنا الإحاطة بكل ما حولنا وجمع المعلومات (الأول) ووضع خطط مستقبلية (الآخر) والنظر للأمور نظرة كلية، فكل هذا يساعدنا في اتخاذ القرارات السليمة. وتقابل تلك الصفات مهارات الذكاء العاطفي المرتبطة بدراسة الماضي كمهارة "السياق" CONTEXT ومهارة "النظرة المستقبلية" FUTURISTIC.

        وعندما ندرك صفات الرزق ونفهمها فإننا نطمئن أن الله سيرزقنا بعد أن نجتهد قدر استطاعتنا، كما سنشعر بالامتنان لفضله ونبدأ في العطاء. وتنطوي مجموعة صفات الرزق على مهارات كمهارة التوجه الخدمي ومهارة التعاطف. فكثير من الآيات التي تحتوي على مرادفات الرزق، تحض على الإنفاق ورزق الآخرين مما رزقنا الله سبحانه وتعالى.
أيضًا تنطوي المجموعة على مهارة الثقة بالنفس. ويدل عليها مثال الرجل الصالح في سورة الكهف الذي قدّم نفسه بثقة برغم معايرة صاحبه له بقلة المال والولد. فكان إيمان الرجل بصفات الرزق مبعثًا له على الثقة بالنفس والتفاؤل. كما نرى في تلك القصة مهارة التحكم في النفس في وجه ذلك الصاحب المتعجرف:

وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا. سورة الكهف

 

        أما صفات الكبرياء والعلو فبمراقبتها نخجل من التكبّر على أي شخص في حضور الله سبحانه الكبير المتعال، كما ندرك أننا ننحني له لعلوه فلا ننحني لأحدٍ غيره، فنحقق بذلك مزيجًا فريدًا من التواضع والكرامة. هناك العديد من مهارات الذكاء العاطفي التي تحتويها صفات الكبرياء والعلو. ينبثق من صفة التواضع مثلاً التي نتعلمها من الاعتراف بعلو الخالق سبحانه، مهارة تطوير الآخرين والتي من سلوكياتها "الإقرار بمواطن قوة الآخرين وإنجازاتهم ومكافأتهم عليها". أنظر في مثل سيدنا موسى عليه السلام. ماذا قال سيدنا موسى عن أخيه؟ قال "وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ". لقد اعترف بأفضلية أخيه عليه في طلاقة اللسان. ألا نحتاج تلك المهارة في العمل للاعتراف بقيمة ما يقدمه كل شخص ونثني عليه ونشجعه؟ ألا يحتاجها الزوج ليعترف بمجهود زوجته ويثني عليها ويسعدها بكلماته؟

        أما صفات الرفق فتجعلنا رحماء ببعضنا، وتكسبنا لينًا وتؤلّف بين قلوبنا وتنشر الدفء والود بين الأفراد وفي المجتمعات. وللدفء المجتمعي آثار إيجابية كثيرة على الجسم والنفس. فالتحلي بتلك الصفات ونشرها في المجتمع يفرز في الجسم مواد كالدوبامين والأكوسيتوسن والهامين للشعور بالسعادة وصحة القلب والأوعية الدموية وتأخير آثار الشيخوخة. ومن مهارات الذكاء العاطفي المُتضمنة في تلك المجموعة: بناء الروابط والتعاطف ومهارات الفريق وغيرها.

        وتعلّمنا صفات الحكم السليم تنحية مشاعرنا في الحكم على الأمور في ضوء الحقائق المتاحة وباستخدام العقل والحيادية لا العاطفة. والحكم السليم يساعدنا على اختيار أي الصفات نفعّل في كل موقف. فاستخدام الرحمة في موقف ينبغي أن نستخدم فيه الحسم والمنع والتأخير، يُفسد الأرض. فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا. يتناول المشروع شرح الأسس العلمية والدينية للتفكير العقلاني والحكم السليم. فمفردات العدل والقسط مثلاً مرتبطة في القرآن الكريم بصفات محددة منها:

o        عدم تغليب المشاعر سواء الإيجابية التي تجعلنا نحابي من نحب ولا السلبية التي تجعلنا نضطهد من نكره – "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا"

o        لا محاباة – ""كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ"

o        لا اضطهاد – "وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ"

o        عدم اتباع الأهواء والنزعات – "فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا"
وهكذا نتعلّم قواعد التفكير السليم من الآيات التي جاءت فيها مفردات الأسماء الحسنى الخاصة بالعدل. كما تتناول المجموعة شرح علمي لقواعد التفكير السليم غير المتحامل. ومن مهارات الذكاء العاطفي المُتضمنة في تلك المجموعة: مهارات التحكم في النفس وإدارة الخلاف والوعي السياسي وغيرها من المهارات الهامة.

        وتعلي أسماء التحكّم الإيجابي من شأن المسلم وتفعّله في المجتمع وتملأ حياته بالإيجابية، فيتعلّم ويبني ويتطور ويطور الآخرين، ويرفع من شأنهم، وينفعهم ويتقدم في الخيرات، ويعمر الأرض والحياة. ومن مهارات الذكاء العاطفي المُتضمنة في تلك المجموعة، مهارات تطوير الآخرين والتوجه الخدمي وغيرها.

        وتأخذنا صفات الخلق والإبداع إلى مستويات عليا، فيأخذ كل منا المبادرة لتحسين ما حوله وحل المشكلات بطرق مبتكرة، وتجميل كل شيء يفعله، والإتيان بكل ما هو جديد، فتتجدد حياتنا وتنمو وتزدهر. ومن مهارات الذكاء العاطفي المُتضمنة في تلك المجموعة، مهارات الإبداع والتغيير والتكيّف والمبادرة.

        أما صفات الدعم فهي تلك اليد التي تربت على كتفنا، وتربط على قلوبنا وقت وقوع الشدائد الخارجية، فنتعلم الثبات والمثابرة والإصرار، وندعم بعضنا ونتواصى بالصبر فيما بيننا، كما نستلهم من اسمه "القوي" أن نفعل كل ما نستطيع لنكون أقوياء في كل المجالات الشخصية والعامة. ومن مهاراتها، التعاطف وبناء الروابط والتوجه الخدمي والثقة في النفس والوعي العاطفي والتفاؤل.

        وعندما تكون الهزائم من داخلنا، وعندما نخطئ ونذنب ونُصاب بالشلل من جراء الذنب وعقاب المجتمع، وإقصائه لنا في بعض الأحيان، تأتي صفات تجديد الذات لنجدتنا، فيغفر لنا الله عزّ وجلّ ويعفو عنا، ويمنحنا فرصة لبداية جديدة، ويعطينا الأمل للاستمرار. ومن مهاراتها التحكم في النفس كعفو سيدنا يوسف عليه السلام عن إخوته بعد أن تسببوا في حرمانه من عيش طفولته في ظل حنان أسرته وتسببوا في بيعه كالعبيد وكل ما ترتب على ذلك من سجنه لاحقًا. كان يمكن أن يقتص منهم عندما تمكّن منهم ولكنه عفا "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ". وتطلّب ذلك منه قدر كبير من التحكم في النفس.
ومن مهاراتها أيضًا التفاؤل. فسحرة فرعون في أحلك موقف، تفاءلوا لإيمانهم بمغفرة الله عزّ وجلّ. ولم يكن لغير صفة المغفرة أن يطمئنهم في موقفٍ كهذا حيث قالوا "إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ"

        أما صفات التحكّم التصحيحي فلا تستقيم حياتنا دونها، ونحن نمارسها كل يوم عندما تتطلب الأمور الحسم والقوة، ولأنه سبحانه اتصف بها فقد علّمنا كيف نتصف بها دون غلو وتعدٍّ على حقوق الآخرين، وعلّمنا أن نفعّلها بقدر ما نريد تقويمه فحسب، فلنا في القصاص حياة تفعيلًا لصفة "المميت"، ولا يجب أن نسرف في القتل. ولأنه سبحانه "المؤخر" نؤخر تخرّج الدارسين ومكافأة العاملين حتى يحصلوا على المهارات والمعرفة اللازمة، ونؤخر شراء سيارة لشاب حتى يتقن حرفة القيادة وغيرها من أعمال التأخير المطلوبة للنمو. ونؤخر الحصول على المتعة الوقتية في سبيل نيل النعم الأطول دوامًا. كما نؤخر العقاب أيضًا أملاً في تحقيق نتائج أفضل "وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى"
ولأنه سبحانه "المانع" يمنع الطبيب عن مريضه ما يشتهي، ويمنع الأب المغريات عن ولده، ولا يجد كلاهما غضاضة فيما يفعل لحرصه على صلاح أمر المريض أو الابن، كما نمنع أنفسنا مما وممن نحب إذا كان في ذلك صلاح الأمر. إننا نستخدم تلك الصفات عند تفعيل الطلاق، وعند كتابة تقارير أداء قاسية لتحسين أداء العاملين، وعندما يقضي القاضي بوضع المعتدين خلف القضبان، وعندما يبتر الطبيب عضوًا لإنقاذ الجسد، وعندما يقتل الجندي عدوًا يريد أن يفتك بالآمنين، وغيرها من الأمثلة اليومية، فقد سمح الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يكون مُميتًا ومانعًا ومؤخرًا وضارًا عند الحاجة لتستقيم الحياة.
واسم الله المُذل من أجمل الأسماء لأنه ينطوي على معاني التذليل والتيسير. فالذل في القرآن جاء بمعانٍ حميدة كقوله تعالى "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ" وكقوله تعالى"أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ" وكقوله تعالى "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا". فالمُذل إذن صفة تنطوي على معاني كسر الغلظة في النفوس وتطويعها وجعلها سهلة متواضعة.
وهكذا تعلّمنا تلك الصفات أن نصلح أنفسنا ودنيانا عن طريق تجهيزنا بتلك الصفات التي لولاها ما عرفنا كيف ندير حياتنا. وهي صفات لا يستغني عنها قائد مؤثر ولا مسؤول له سلطة ولا أب يضبط أسرته ولا فرد يقهر شهواته ويجبر نفسه على الطاعات ويمنع نفسه مما حرّم الله عزّ وجلّ. ألا ترى الآن كمّ الرحمة والحرص والعناية الذي تشتمل عليها تلك الصفات؟
ومن مهارات تلك المجموعة: الوعي العاطفي، وتحري الضمير، والتغيير، والقيادة، وإدارة الخلافات، والثقة بالنفس وغيرها من المهارات الهامة.

 

        وأخيرًا فإننا نراقب أنفسنا ونتقي الله سبحانه وتعالى قدر استطاعتنا، ونتحكم في أنفسنا إذا اهتدينا بصفات المحاسبة والمساءلة، فيفكر كلٌ منا في تلك المحاكمة العادلة التي ستقع لا محالة، وسنقف فيها أمامه سبحانه لنجيب عن أسئلة تتعلق بالتزامنا من عدمه بما فرضه الله علينا. ومن مهاراتها، الأحقية بالثقة والتغيير وتحري الضمير والتحكم في النفس.

 

وهكذا لا يمكن أن تستقيم حياتنا بدون أي واحدة من تلك الصفات والأسماء الحسنى. بل وتفسد الأرض عند استخدامها الاستخدام السيء كأن يقتل الإنسان بغير وجه حق، وكأن يمنع الحقوق وكأن يقهر الآخرين ظلمًا وعدوانًا. ويشرح البحث سلوكيات مفصّلة لكل مهارة من مهارات الذكاء العاطفي ضمن المجموعات ويعطي أمثلة عملية من القرآن الكريم عليها ويتيح للفرد اختبار تقييم سلوكيات في نهاية كل مجموعة يساعده على تحديد مواطن قوته وقصوره فيما يتعلّق بتطبيق سلوكيات تلك المجموعة.

بعد مراقبة التقسيم السابق، الرجاء أخذ الملاحظات التالية في الاعتبار:

        هناك اسمان تكررا في أكثر من مجموعة، وذلك لاحتمالهما لأكثر من معنى؛ الاسم الأول هو اسم الله "الجبّار". ظهر هذا الاسم في مجموعة الدعم بمعنى أنه سبحانه " يجبر الكسر". كما ظهر في مجموعة التحكم التصحيحي بمعنى "من قهر عباده بالجبر". لذا فهذا الاسم يظهر في مجموعتين وله معنى مختلف في كل مجموعة. فهو في مجموعة الدعم يشير لعملية التئام الكسور بعد جبرها. وهو في مجموعة التحكم التصحيحي يشير لعملية إجبار العظام على البقاء في وضه تكرهه لفترةٍ ما حتى تلتئم.
والاسم الآخر الذي يظهر في أكثر من مجموعة هو اسم الله "البر"، فهو قد يعني "الإحسان إلى الآخرين" كالبر بالوالدين، كما قد يعني "الوفاء بالوعد" أو "الوفاء بالوعيد".

        يمكن النظر وإعادة النظر في التقسيمات المتنوعة، ولكن هذا هو التقسيم الذي تقترحه الباحثة، وقد يقول البعض إن اسم الله "البصير" و"السميع" و"العليم" ينبغي أن يكونوا ضمن مجموعة "الحضور" على سبيل المثال. ولكنها وضعتهم ضمن مجموعة "المحاسبة والمساءلة". والله سبحانه وتعالى يشير إلى معنى الاطمئنان بمعيته ومعنى الخوف من مراقبته في آيتين كريمتين:

أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ (13) أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ (14) سورة العلق

قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ (46) سورة طه

 

فكان العلم بأن الله سبحانه وتعالى "يري" مصدرًا للخشية والخوف في الآية الأولى وللاطمئنان في الآية الثانية. ولقد آثرت الباحثة ضم تلك الصفات لمجموعة المحاسبة والمساءلة لأن السمع والبصر والعلم بما نفعل هي أدوات لجمع المعلومات للمحاسبة والمُساءلة، وهي صفات ضرورية لتفعيل صفات المراقبة والتقوى المتضمنة في مجموعة "المحاسبة والمساءلة". كما أننا نتعامل مع السمع والبصر كشهود عيان علينا يوم القيامة مما يتفق مع محور المُحاسبة والمُساءلة. لذا كان ذكر تلك الأسماء ضمن مجموعة المحاسبة والمساءلة أولى.

 

واسم الله "الصبور" ترددت الباحثة حول تصنيفه لإيمانها أن صفة الصبر هامة في كل المجموعات، ولكنها وضعته في مجموعة "التحكم الإيجابي" لما تتطلبه الإيجابية وبلوغ الأهداف من صبر وتحمّل، ولكنها أفردت لصفة "الصبر" كتيبًا أيضًا لما لها من أهمية في حياتنا.

 

وما قامت به هو محاولة لتفعيل الأسماء الحسنى في حياتنا، وتتمنى الباحثة أن يكثر الكلام بين عموم المسلمين عن الأسماء الحسنى وأن تصبح مراقبتها في حياتهم يومية يستلهمون منها سلوكياتهم. كما تتمنى أن يأتي غيرها ويستنبط منها المزيد، ويثري التراث الإنساني بأسماء المولى عزّ وجلّ، فما فعلته هو البداية فحسب.

سلام...كن أفضل نسخة من نفسك

خلفاء في الأرض.. نفوس مطمئنة.. محققون للفوز والفلاح